.
 
الرئيسيةالبوابةس .و .جقائمة الاعضاءالمجموعاتبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 6:46 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 7:03 pm

ولد شوبنهور في دانزج في الثاني والعشرين من شهر فبراير عام 1788.
وكان أبوه تاجراً امتاز بالمقدرة وحدة الطبع،
واستقلال الشخصية وحب الحرية،
وقد غادر دانزج
التي جردها البولنديون من حريتها بضمها إلى بولندا في عام 1793.
وكان ابنه آرثر شوبنهور في الخامسة من عمره في ذلك الوقت.
لقد نشأ شوبنهور الصغير في جو مشبع بروح العمل وكسب المال.
وعلى الرغم من أنه هجر حياة التجارة التي دفعه والده إليها،
فقد تركت أثرها في نفسه وطبعت نظرته إلى الحياة بطابع الواقعية في التفكير ومعرفة بطبيعة الناس،
ومات والده منتحراً على الأرجح في عام 1805.
وتوفيت جدته وهي مصابة بالجنون.

لقد قال شوبنهور أنه ورث من أبيه خلقه وارادته،
وعن امه ذكاءها.
لقد بلغت أمه أوج الشهرة في عالم القصص والروايات،
وغدت إحدى مشاهير كتاب القصة في ذلك الوقت.
لم تكن أمه سعيدة في حياتها مع زوجها الذي لم تساعده ثقافته على الامتزاج معها، وعندما توفي زوجها انطلقت تبحث عن الحب المتحرر
بعد أن تحررت من قيود هذه الحياة الزوجية.
وارتحلت إلى مدينة فيمار التي تنسجم مع هذه الحياة المنطلقة التي كانت تتوق لها.
وقد ثارت ثورة شوبنهور على هذا الاتجاه الجديد من أمه،
وأثر النزاع بينهما على نفسه وأثار فيها مقته الشديد للنساء الذي رافقه طيلة حياته،
ولا يسعنا هنا إلا أن نسرد فقرات من خطاب أرسلته له
يصور لنا مدى النزاع بين الأم وولدها.
حيث تقول له:
"إنك عبء ثقيل لا يطاق، والحياة معك عسيرة لا تحتمل.
لقد طغى غرورك بنفسك على كل صفاتك الطيبة.
وغدوت لا فائدة ترجى منك
لعجزك عن منع نفسك من تسقط هفوات الناس وعيوبهم."
وهكذا تم الاتفاق بينهما على أن يعيشا منفصلين بعد أن تعذرت الحياة بينهما
وأصبح شوبنهور لا يتردد على منزل أمه إلا كما يتردد عليها الضيوف والزوار من وقت لآخر.
وكانت الكلفة والمجاملة المصطنعة تطبع هذه الزيارات تماما كما يطبع التكلف المصطنع حديث الأغراب لا حديث الأم لولدها.
وقد زاد في توتر هذه العلاقة أن جوته الذي كان يحب أم شوبنهور
لانها كانت تسمح له باحضار كريستيان معه،
أن قال للأم يوماً بأنه سيكون لولدها شأن عظيم وسيغدو رجلاً مرموقاً ومشهوراً.
وقد أثارت هذه الملاحظة استياء الأم وغيرتها من منافسة ولدها لها في شهرتها،
فهي لم تسمع بظهور نابغتين في أسرة واحدة.
وأخيراً في ذروة نزاع بينهما،
دفعت الأم ولدها ومنافسها في نبوغها من أعلى درج منزلها.
ولكنه نهض واقفاً وقال لها بصوت مختنق من المرارة والحسرة،
إن الأجيال القادمة لن تعرفها، وتسمع بها إلا عن طريقه،
وهو بشهرته وذيوع صيته سيخلد اسمها وأسرع فيلسوفنا في مغادرة مدينة فيمار وعلى الرغم من أن أمه عاشت بعد ذلك أربعة وعشرين عاماً فإنه لم يرها بعد ذلك الحادث بينهما.
وقد انتهى به هذا الحرمان من عطف أمه إلى التشاؤم،
فالانسان الذي يحرم من حنان الأم وحبها ولا يعرف سوى مقتها وكراهيتها،
لن يفتنه أو يغريه بعد ذلك شيء من محاسن الدنيا ومباهجها.

وصل شوبنهور دراسته الجامعية واستوعب من المعلومات فوق ما درسه في برامج الجامعة. وسخر من الحب والعالم وألقى بهما من وراء ظهره. وقد طبع هذا الاتجاه حياته وترك أثره في أخلاقه وفلسفته. وغدا كئيباً ساخراً مرتاباً، قلقاً تستبد به المخاوف ويخشى على نفسه من شرور الناس وغدرهم. وأغلق على نفسه الأبواب. ولم يسلم ذقنه ورقبته لموسى الحلاق اطلاقاً.
ونام ومسدسه محشواً بالرصاص دائماً إلى جانبه في انتظار من تحدثه نفسه من اللصوص بالسطو عليه
وكان لا يحتمل الجلبة والضجيج وهو يقول في ذلك
: " أعتقد أن طاقة الانسان على تحمل الضوضاء والضجيج من غير أن يضيق به دليل على مقدرته العقلية ويكون مقياساً لها..
ان الضجة والجلبة تعذيب للمثقفين الأذكياء الذين يعملون بعقولهم ..
لقد سببت لي الضجة والجلبة الناجمة عن الدق والطرق عذاباً يومياً طيلة حياتي."
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 7:04 pm

كان شوبنهور يحس في أعماق نفسه بعظمته،
على الرغم من عدم اعتراف الناس به،
وعندما فاته النجاح والشهرة انقلب إلى نفسه،
يعضها ويقرضها بأسنانه.

لقد عاش وحيداً بلا أم ولا زوجة ولا ولد،
ولا أسرة ولا وطن ولا صديق.
ولم تلهب حمى الحماس الوطني التي اجتاحت عصره شعوره واهتمامه.
لقد تأثر في عام 1813 بحماس فخته للدخول في حرب تحررية ضد نابليون،
وفكر بالتطوع واشترى بعض الأسلحة اللازمة للقتال،
ولكن الحكمة أوقفته في الوقت المناسب،
وعدل عن التطوع مقنعاً نفسه بأن نابليون لم يزد عن الافصاح عن تأكيد ذاته وشهوته في الاستزادة من الحياة التي يشعر بها ضعاف الناس ويخفونها في صدورهم مرغمين".
وبدلا من الذهاب للحرب،
اتجه إلى الأرياف وكتب رسالة في الفلسفة لنيل شهادة الدكتوراة
.

وبعد كتابة هذه الرسالة التي كان موضوعها عن العقل
انصرف بكل وقته وقوته على كتابة كتابه الذي أطلق عليه اسم
"العالم كارادة وفكرة"
وعندما أرسله للناشر علق عليه بقول
: "إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لأفكار وآراء قديمة ،
ولكنه بناء شامخ متماسك من الاراء الأصيلة ، والبيان الواضح ،
ولا يخلو من الجمال على الرغم من عنف أسلوبه،
إنه كتاب سيكون في المستقبل مصدراً ومورداً لمئة كتاب.

لقد كان شوبنهور على ثقة تامة بأنه قد حل في كتابه هذا جميع مشاكل الفلسفة
ومع ذلك فإن هذا الكتاب لم يلق رواجاً او اهتماما ،
فقد كان العالم فقيراً ومتعباً ولا حاجة به لقراءة كتاب عن فقره وتعبه
وبعد ستة عشر عاماً من طبع الكتاب أبلغ شوبنهور
أن جزءاً من نسخة بيعت بالجملة ورقاً تالفاً ليستخدم في رزم ولف البضائع
.
وقد أشار شوبنهور في مقال عن الشهرة في "حكمة الحياة"
إلى كتابه العظيم هذا بحرقة وأسى بقوله:
"إن كتاباً مثل هذا أشبه بمرآة،
إذا نظر فيها حمار فلا ترجو أن يرى فيها ملاكاً."
وهل اذا اصطدم رأس وكتاب وانبعث من أحدهما صوت أجوف،
أيكون الأجوف هو الكتاب دائماً!.
ويواصل شوبنهور كلامه بصوت الكبرياء التي أصابها جرح
: "كلما كان الكاتب أو الفيلسوف عبقريا ويكتب للأجيال القادمة،
أو بعبارة أوضح للانسانية بوجه عام،
كان غريباً بالنسبة إلى معاصريه الذين يعيش بينهم ،
لأن كتابه ليس موجهاً لهم وحدهم،
بل يخاطبهم كجزء من الانسانية عامة.
لذلك سيكون هذا الكتاب خالياً من الصبغة المحلية التي تستهويهم،
وتسترضيهم وتنال قبولهم.

أمضى شوبنهور البقية الباقية من حياته التي طالت إلى سن الثانية والسبعين في فرانكفورت .
وكمتشائم حساس فقد تجنب الوقوع في حفرة المتفائلين،
وأبى أن يسخر قلمه للكسب أسوة بسقراط الذي كان يرفض أجراً من تلاميذه.
عاش في الثلاثين سنة الباقية من حياته بلا صديق سوى كلبه،
الذي أطلق عليه اسم "اطما"
(وهو اسم يطلقه البرهمي على روح العالم)
ولكن مجان المدينة أطلقوا على كلبه اسم "شوبنهور الصغير"
وقد جرت عادته أن يتناول طعام غدائه في مطعم يتردد عليه الانجليز وكان يضع ديناراً ذهبياً على مائدة الطعام أمام في كل مرة قبل تناول طعامه،
ويعيده إلى جيبه بعد انتهاء كل وجبة،
وسأله خادم المائدة في شيء من السخط عن هذا التصرف فأجابه شوبنهور،
أنه قد أخذ على نفسه عهداً بإلقاء هذا الدينار الذهبي في صندوق الفقراء في أول مرة يسمع فيها الضباط الانجليز الذين يأكلون في المطعم يومياً يتحدثون في شيء آخر سوى الحديث عن الخيل والنساء والكلاب. و
هو يعيده إلى جيبه لأنهم لا حديث لهم سوى في هذه الأمور.

لقد تجاهلته الجامعات وتجاهلت كتبه،
وكأنها بذلك قد أيدت زعمه بأن ما أحرزته الفلسفة من تقدم كان خارج جدران المعاهد العلمية،
قال نيتشه
" لا شيء أساء إلى أساتذة الجامعة والعلماء الألمان أكثر من مخالفة شوبنهور لهم . "
ولكنه صبر وكان على ثقة من اعتراف الناس به مهما جاء هذا الاعتراف متأخراً.
وقد تحقق رجاؤه فأقبل المثقفون من أبناء الطبقة المتوسطة من محامين وأطباء وتجار على قراءة كتبه لأنهم وجدوا فيه فيلسوفاً لا يقصر بحثه على ادعاء معرفة أوهام المتيافيريقا الخيالية،
بل يقدم لهم دراسة وافية واضحة عن ظواهر الحياة الحقيقية.

لقد اتجهت أوروبا التي خيبت ظنها المثالية والجهود التي طبعت عام 1848 بطابعها إلى فلسفته التي صورت حالة اليأس التي عرفتها أوروبا في عام 1815،
ان هجوم العلم على اللاهوت،
وآثار الحرب وانتشار الفقر،
والكفاح من أجل البقاء
والدعوة إلى النظم الاشتراكية،
كلها ساعدت شوبنهور ورفعته إلى ذروة المجد والشهرة.

لم يكن قد بلغ من الكبر عتيا ليقعده عن التمتع بشعبيته وشهرته وأخذ يقرأ بشغف وشره كل ما كتب عنه من مقالات.
وطلب من أصدقائه أن يرسلوا له كل ما يصل إلى أيديهم من تعليقات تنشرها الصحف حوله.
وفي عام 1854 أرسل له فاجنر نسخة عن قطعة من روائع موسيقاه مرفقة بكلمة تقدير لفلسفته الموسيقية.
وهكذا أوشك أن يتحول المتشائم العظيم إلى متفائل في أيام شيخوخته وراح يعزف على القيثارة كل يوم بعد الغداء.
ويحمد الوقت الذي خلصه من نيران الشباب.
وهرعت جموع الناس من جميع أنحاء العالم لرؤيته.
وعندما احتفل ببلوغه السبعين من عمره انهالت عليه التهاني من كل بلد وكل قارة.

لم يحن الوقت بعد، فقد عاش بعد ذلك سنتين، وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر سبتمبر جلس وحده لتناول طعام الافطار وكان يبدو وافر الصحة،

ووجدته ربة الدار بعد ساعة لا يزال جالساً على المائدة ساكنا لا يتحرك وتقدمت منه فوجدته ميتاً
.
كانت تلك مقدمة وموجز عن حياة الفيلسوف الذي عرف بتشاؤمه
وهذه دعوة لقراءته ومحاولة فهم فلسفته التشاؤمية هذه
.
.
.
.
*
عن كتاب قصة الفلسفة لول ديورانت
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 7:19 pm

العالم كفكرة


إن ما يثير دهشة القارئ لدى قراءة كتاب "العالم كإرادة وفكرة"
هو سهولة أسلوبه ويسر فهمه.
فقد خلا من تعقيد المصطلحات التي نجدها في كتب "كانت"
والتشويش الموجود في هجل ومصطلحات الهندسة في سبينوزا.
لقد كان كل شيء في كتاب شوبنهور واضحاً ومنظماً ومركزاً
تركيزاً يدعو إلى الإعجاب
حول نظريته الاساسية وهي أن العالم إرادة ،
وعلى ذلك يكون العالم كفاحاً،
ويترتب على الكفاح بؤس وشقاء.
لقد امتاز كتابه هذا بنزاهة البحث وأمانته وعنفه وعدم تساهله،
وجاء زخراً بالأمثلة لتوضيح فكرته، وجديداً في فكاهته،
وابتعاده عن الغموض الذي ميز سابقيه من الفلاسفة
ولكن ما هو السبب في عدم رواج هذا الكتاب وكساده وعدم تحمس القراء له،
قد يكون السبب هو أن شوبنهور هاجم في كتابه أولئك الذين كان في وسعهم الدعاية له، وهم أساتذة الجامعة،
فقد كان هجل الحاكم بأمره في عالم الفلسفة في ألمانيا في عام 1818، ومع ذلك فان شوبنهور لم يعبأ به ولم يضيع وقتاً في مهاجمته.
ونقده. فقد ذكر في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه:

لا شيء يسيء للفلسفة في وقت من الأوقات أكثر من اتخاذها وسيلة لكسب الرزق وعملوا وفقاً للمثل القائل
من يأكل من مال السلطان يحارب بسيفه،
أو المثل القائل أغني أغنية من آكل من خبزه ،
واعتبروا مثل هذا العمل صالحا.
لقد اعتبر الفلاسفة الأقدمون اكتساب المال عن طريق الفلسفة صفة من صفات السفسطائيين .
ولا شيء يمكن أن نجنيه من الذهب سوى الاعتدال وعدم التطرف في الآراء الفلسفية..
من المستحيل لعصر مجد هجل واعتبره أعظم الفلاسفة طيلة عشرين سنة تقدير من أخذ عليهم تقديرهم لهجل
أن الحقيقة ستبقى دائماً هدف القليل من الناس
وستبقى في انتظار هؤلاء القلة بصبر وهدوء.

إن الحياة قصيرة ، ولكن الحقيقة " بعيدة الأثر وحياتها أطول" .


وكان مما يزيد في نبل كلامه أن لا يتعرض إلى هجل بشيء من هذا ،
اذ لا شيء نستطيع أن نقوله عن وسيلة التعيش وكسب الرزق سوى الخير،
أما بالنسبة إلى الاعتدال في الاراء الفلسفية التي أخذها شوبنهور على هجل فأمره متروك لاعتراف الناس به،
لقد اعتاد شوبنهور أن يقول
: "إنني لا أرى شيئاً تم تحقيقه في الفترة الواقعة بين "كانت" وبيني
فهو يقول: "أعتقد أن هذه الفكرة وهي أن العالم ارادة هي الفكرة التي بحثت عنها الفلسفة ،
إن ما أقصده فقط هو تعريف وشرح فكرة واحدة فقط ،
وعلى الرغم من جميع محاولاتي في إيجاز شرحها لم أجد وسيلة لاختصارها بأقل من هذا الكتاب.. "
اقرأ الكتاب مرتين، مستخدماً الصبر وطول البال في المرة الأولى.
ليس الاعتدال في الفلسفة سوى نفاق وتواضع مصطنع.

ولكنا لا نجد تواضعا في العبارة الأولى التي صدر بها شوبنهور كتابه
الذي بدأه بقوله "العالم فكرة"
وهو يقصد بذلك ما ذهب إليه "كانت"
من أننا نعرف العالم الخارجي عن طريق احساساتنا وأفكارنا .
واتبع شوبنهور هذا بعرض واضح قوي للمذهب المثالي ،
إن أهم جزء في الفصل الأول من الكتاب هو هجومه على المذهب المادي . فهو يتساءل بقوله:
كيف يمكننا أن نفسر العقل بأنه مادة ما دمنا لا نعلم المادة إلا عن طريق العقل.

كلا من المستحيل أن نصل إلى حل لغز الميتافزيقا ،
وان نستكشف كنه الحقيقة، بأن نبدأ ببحث المادة أولا،
ثم ننتقل منها إلى بحث الفكر،
بل يجب أن نبدأ بذلك الذي نعرفه معرفة مباشرة قريبة –
أنفسنا.
" إننا لن نصل أبداً إلى طبيعة الأشياء الحقيقية من الخارج،
مهما طال بحثنا ولن نصل إلى شيء سوى صور وأسماء."
ونحن في ذلك مثل رجل يدور حول قصر يبحث عبثا عن مدخل
وأحيانا يرسم الواجهة.
دعنا ندخل إلى الداخل،
اننا اذا استطعنا كشف طبيعة عقولنا النهائية فقد نظفر بمفتاح العالم الخارجي.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 7:47 pm

العالم شر



اذا كان العالم في حقيقته ارادة ،
لا بد أن يكون مليئاً بالألم والعذاب ،
وذلك أن الارادة نفسها تعني الرغبة ،
وهي دائماً تطلب المزيد عما حصلت عليه ،
وفي اشباع رغبة يطل من ورائها عشرات الرغبات التي تطلب اشباعها وتحقيقها ،
ان الرغبة لا نهاية لها ،
ومن المتعذر اشباعها جميعها انها كالصدقة التي ندفعها للفقير تغنيه عن الجوع اليوم ليواجه البؤس والفقر غدا...

ما دامت الارادة تطغى وتملأ شعورنا ،
وما دمنا خاضعين لتجمع الرغبات وآمالها ومخاوفها الدائمة ،
وما دمنا خاضعين للارادة ،
فلن نبلغ السعادة الدائمة أو السلام اطلاقاً ،
هذا بالاضافة إلى أن تحقيق الرغبات لا يستتبع القناعة ،
ولا شيء يقتل المثل الأعلى أكثر من بلوغه وتحقيقه ،
ان اشباع العاطفة يؤدي في الغالب إلى الشقاء بدلاً من السعادة
لأن حاجاتها كثيراً ما تتعارض مع مصلحة صاحبها
إلى أن ينتهي الأمر بالقضاء على هذه المصلحة.
كل فرد يحمل في نفسه متناقضات هدامة ممزقة
والرغبة المشبعة تولد رغبة جديدة تريد اشباعها وهكذا إلى ما لا نهاية .
والسبب في هذا هو أن الارادة لا بد أن تعيش على نفسها ،
اذ لا يوجد شيء بجانبها ، وهي ارادة جائعة ؟

ان مكيال الألم في كل فرد أمر لا مفر عنه تقرره طبيعته
وهو مكيال يستحيل أن يظل فارغاً أو يتسع أكثر من عياره..
فاذا أزيح عن صدورنا هم كبير يضغط عليها ..
حل مكانه على الفور هم آخر ،
لقد كانت مادة هذا الهم موجودة من قبل ،
لكنها لم تتمكن من شق طريقها إلى الشعور بها لعدم توفر متسع لها..
أما الآن وقد توفر متسع لها فإنها تتقدم وتحتل عرشها.

ان الحياة شر
لأن الألم دافعها الأساسي وحقيقتها،
وليست اللذة سوى مجرد امتناع سلبي للألم،
ولقد أصاب أرسطو عندما قال
: إن الرجل الحكيم لا يبحث عن اللذة،
ولكن عن التحرر من الألم والهم.

ان كل ضروب القناعة والرضى،
أو ما يسمى عادة بالسعادة سلبي في حقيقته وجوهره فقط..
فنحن لا نشعر تماماً بما لدينا من النعم والفوائد،
ولا نقدرها حقيقة قدرها ،
بل نفكر بها باعتبارها شيئاً عادياً ليس إلا،
وذلك لأنها ترضينا بشكل سلبي فقط،
بأن تخفف من عذابنا وتكبح جماحه،
ولا نشعر بقيمتها ونقدرها حق قدرها إلا اذا فقدناها،
لأن الحاجة والحرمان والحزن هي الجانب الايجابي الذي يتصل بنا اتصالا مباشراً.. ما الذي دفع الكلبيين إلى طرح اللذة ونبذها في كل صورها
ان لم يكن الألم في الواقع ممزوجا باللذة دائماً قليلا أو كثيرا.

ان الحياة شر لانه لا يكاد الانسان يشعر براحة من الألم والحاجة
حتى يتملكه شعور بالسآمة والملل مما يدفعه إلى البحث عن شيء يعوضه شعوره بالملل والسآمة ،
ويبدأ في مواجهة المزيد من الألم ،
وحتى لو تحققت أحلام الاشتراكيين في اقامة المدينة الفاضلة فسيبقى من الشرور ما لا يحصيه العد،
لأن بعضها كالكفاح مثلاً أمر ضروري للحياة.
واذا تمكنا من القضاء على كل شر، ووضعنا حداً للكفاح في هذه الحياة أصبحت السآمة عبثاً لا يحتمل كالألم سواء بسواء،
وهكذا نجد الحياة تتأرجح كالبندول إلى الأمام والخلف بين الألم والسأم..
وبعد أن قلب الانسان آلامه وعذابه إلى فكرة الجحيم،
لم يبق لديه شيء عن الجنة سوى الملل.
إننا كلما ازددنا في الحياة نجاحاً ازددنا مللاً،
وكما أن الحاجة هي السوط الدائم الذي يلهب ظهور الناس،
فكذلك السآمة هي السوط الذي يلهب ظهر العالم الحديث
.

والحياة شر لأنه كلما صعد الكائن العضوي وارتقى كلما زاد ما يقاسيه من آلام، وان زيادة – معرفته لن تحل مشكلة آلامه.

لأنه كلما ازدادت ظاهرة الارادة كمالاً ازداد العذاب وضوحاً
، وفي السبات لا يكون الاحساس قد اكتمل بعد ،
ولهذا لا يشعر النبات بالألم،
ان أحط أنواع الحيوان يشعر قدراً صغيراً جداً من الألم مثل النقاعيات،
وحتى في الحشرات لا تزال امكانية الشعور والألم محدودة،
وأول ما تظهر امكانية الشعور بدرجة عالية باكتمال تكوين الجهاز العصبي للحيوانات آكلة الأعشاب، وتزاداد – أكثر ينمو العقل .
وهكذا يزداد الألم ويبلغ ذروته في الانسان ،
ويزداد ما يحسه الإنسان من الألم كلما دقت معرفته واشتد ذكاؤه ،
والعبقري الموهوب أشد أنواع الناس مقاساة للألم.

ان زيادة المعرفة في الانسان تؤدي إلى زيادة آلامه،
لأن الشطر الأكبر من آلامنا كامن في تأمل الماضي أو في التفكير بما سيقع في المستقبل.

إن الألم في حد ذاته قصير،
إن الإنسان يتألم من فكرة الموت أكثر من ألم الموت نفسه،
وأخيراً وفوق كل شيء، الحياة شر لأنها حرب،
أينما وليت وجهك لا تقع عينيك إلا على صراع – ومنافسة ونزاع،
وتبادل انتحاري بين الهزيمة والنصر،
وكل نوع يقاتل للفوز بالمادة والأرض والسيطرة.

إن صورة الحياة في مجملها مؤلمة جداً اذا تأملناها،
وهي تعتمد على جهلنا بها.

إننا لو عرضنا أمام نظر الانسان ما تتعرض له حياته دائماً من ضروب الألم والبؤس المروع عرضاً واضحاً لامتلأ رعباً ،
ولو دخلنا بالمتفائل الشديد تفاؤله
إلى المستشفيات وملاجئ العجزة والمقعدين
وغرف العمليات الجراحية
ولو دخلنا به إلى السجون وغرف التعذيب، وحظائر العبيد،
ولو أخذناه إلى ميادين القتال واماكن الاعدام
ولو فتحنا له كل مشاكل البؤس والفاقة المظلمة
حيث يواري البؤس نفسه من نظرات الفضول السمجة الباردة
وأخيراً لو سمحنا له بالنظر إلى السجون التي يموت الناس فيها جوعاً
، لعلم هذا المتفائل أخيراً طبيعة هذا
"العالم أفضل العوالم"
وإلا من أين جاء دانتي "بمادة جحيمه،
لقد استمدها طبعاً من هذا العالم الواقعي الذي نعيش فيه
واستطاع أن يصور من هذا العالم جحيماً ما بعدها من جحيم.
ولكنه اصطدم بمشكلة لم يفلح في التغلب عليها عندما أراد أن يصف الجنة
وما فيها من نعيم مقيم وذلك
لأن عالمنا لا يصلح أن يكون مادة لتصوير فردوس الجنة ،
إن كل الملاحم التمثيلية لا يسعها إلا أن تصور نزاعاً وجهداً وقتالاً من أجل السعادة ولكنها لا تحتمل السعادة نفسها أبداً

نحن تعساء في زواجنا،
في عزوبتنا وعزوفنا عن الزواج،
تعساء في انعكافنا
ووحدتنا تعساء في اجتماعنا بالناس
اننا كالقنافذ تقترب من بعضها لتشعر بالدفء ولا تشعر بالراحة
اذا اشتد التصاقها، ومع ذلك فهي تعيسة في ابتعادها عن بعضها،
إن الحياة مضحكة ولكنه ضحك كالبكاء –
فلو استعرضنا حياة الفرد في مجموعها وأمعنا النظر في ابراز معالمها فقط لوجدناها مأساة في الحقيقة،
أما اذا تناولناها في تفصيلها لوجدناها ملهاة مضحكة.

انظر وفكر وتدبر
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أمير جاد
خادم المنتدى


عدد الرسائل : 477
تاريخ التسجيل : 06/01/2008

مُساهمةموضوع: رد: فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور   الجمعة فبراير 08, 2008 7:51 pm

وخلاصة القول فإن طبيعة الحياة تقدم لنا نفسها كأنها مقصودة ومدبرة لتوقظ فينا الاعتقاد بأن لا شيء فيها جدير بكفاحنا وجهودنا وجهادنا وان ما فيها من طيبات وخيرات فهو باطل ومن متاع الغرور،
وان العالم مصيره الافلاس والحياة عمل فاشل لا يقوم بتغطية نفقاته.

ولكي يكون الانسان سعيداً ينبغي أن يكون في جهل الشباب
الذي يظن أن السعادة بالكفاح والارادة،
لأنه لم يتبين له بعد شره الرغبة المضني ونهمها الذي لا يشبع،
وظمأها الذي لا يرتوي،
ولم يعلم ان مثل من يحاول اشباع رغباته كمن يضرب مسماراً في ماء
أو يصب ماء في برميل مثقوب،
اذ لا حدود للرغبات ومن المستحيل اشباعها،
كما أن الشباب لم يجرب بعد أثر الهزيمة المحتومة.

ان فرح الشباب ومرحه ناجم عن اننا لا نرى الموت
عندما نكون صاعدين إلى ربوة الحياة،
لأن الموت يكون في أسفل الجانب الآخر من الهضبة..
فاذا اقتربنا من نهاية الحياة فان كل يوم يمر بنا يبعث في نفوسنا نفس الاحساس
الذي يحس به المحكوم عليه بالاعدام،
في كل خطوة يخطوا وهو في طريقه إلى المشنقة..
ولكي يعلم الانسان مدى قصر الحياة لا بد أن يعيش طويلاً..

إن أسعد أوقات الحياة هي الابتعاد عن أيام الشباب..
وفي النهاية نواجه الموت،
وفي الوقت الذي تبدأ التجربة في تنسيق نفسها والتحول إلى حكمة
يبدأ العقل والجسم في التدهور والانحطاط،
ان كل شيء لا يعيش إلا برهة ويسرع إلى الموت والفناء،
فاذا أمهلنا الموت وطال أجلنا فهو يلعب بنا
كما يلعب القط بالفأر الضعيف الذي لا حول له،
اذ من الواضح أننا في مشينا نتجنب السقوط ما أمكن إلى ذلك سبيلا،
ونحن في حياتنا نتجنب الموت ونحاول دفعه وإبعاده ما أمكن .
لذلك يحتفظ طغاة الشرق بين حليهم النفيسة وملابسهم الفاخرة بقارورة من السم. "
إن فلسفة الشرق تفهم وجود الموت في كل مكان
وتقدم لطلابها هدوء المظهر والصبر والكرامة في تحمل الحياة ومواجهة الموت الناشئة عن ادراكهم لقصر حياة الانسان.
ان خشية الموت هي بدء الفلسفة وهي العلة النهائية للدين،
والانسان العادي عاجز عن التوفيق بين نفسه وبين الموت،
لذلك فهو يضع فلسفات وديانات لا تحصى.
ان ما يسيطر على الناس من عقيدة الايمان بالخلود
لدليل على خوف الناس وفزعهم من الموت.

وكما أن الدين واللاهوت مهرب من الموت،
فكذلك الجنون مهرب من الألم،
إن الجنون وسيلة يلجأ إليها الانسان لتجنب الألم والهروب منه،
فهو توقف لخيوط الادراك الذي ينقذه من آلامه،
اننا نستطيع التغلب على المخاوف بنسيانها فقط.

إن البؤس والكفاح يبقيان بعد موت الفرد
ولا بد أن يبقيا ما دامت الارادة تستعبد الانسان وتسيطر عليه،
ويستحيل الانتصار على أمراض الحياة

إلا اذا تم اخضاع الارادة للمعرفة والعقل اخضاعاً تاماً
.

www.alsakher.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
فيلسوف التشاؤم .. شوبنهور
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
 :: مجموعة الدرسات و الابحاث :: شخصيات و تراجم-
انتقل الى: